ابن هشام الأنصاري
59
شرح قطر الندى وبل الصدى
الضمير ، وكون « مهما » لا موضع لها من الإعراب ؛ إذ لا يليق بها ههنا لو كان لها محل إلا أن تكون مبتدأ ، والابتداء هنا متعذر ، لعدم رابط يربط الجملة الواقعة خبرا له ، وإذا ثبت أن لا موضع لها من الإعراب ، تعين كونها حرفا « 1 » .
--> - عند الجمهور ، وإعراب الشطر الثاني كإعراب السهيلي السابق ، وتقدير البيت على هذا الوجه من لإعراب هكذا : أيما صفة تكن هي عند امرئ حال كونها كائنة من خليقة إن خالها لا تخفى - إلخ . وأجاز الجمهور أيضا أن نعرب « مهما » اسم شرط جازم خبر مقدم لتكن ، مبني على السكون في محل نصب ، و « تكن » فعل الشرط و « من » زائدة ، و « خليقة » اسم تكن ، و « عند » ظرف متعلق بتكن ، وتقدير البيت على هذا الوجه من الإعراب هكذا : أي شيء تكون الخليقة عند امرئ إن خالها لا تخفى على الناس . . . إلخ . الشاهد فيه : قوله « مهما » حيث ذهب السهيلي ، وتبعه ابن يسعون ، إلى أن هذه الكلمة في هذا البيت حرف دال على الشرط لا محل له من الإعراب ، وزعما أنه لا يجوز أن تكون هنا اسما ، وإن كانا يجوزان في تركيب آخر أن تجيء هذه الكلمة اسما ، والسر عندهما في أنها لا تكون هنا اسما أنها لو كانت اسما لكانت إما مبتدأ مثل « من » الشرطية في قولك « من يقم أقم معه » وإما مفعولا مقدما مثل « ما » الشرطية في قولك « ما تدخر ينفعك » وزعما أن « مهما » في هذا البيت لا يجوز أن تكون مبتدأ ، ولا يجوز أن تكون مفعولا ؛ فأما عدم جواز أن تكون مبتدأ فلأن محل جواز ذلك إذا كان في فعل الشرط ضمير مستتر يعود إليها كالضمير الذي في « يقم » العائد إلى « من » في المثال المذكور ، وزعما أن « تكن » ليس فيها ضمير يعود إلى مهما ؛ لأن اسم تكن هو خليقة المجرور لفظا بمن الزائدة ، وأما عدم جواز أن تكون مفعولا ، فلأن محل جواز ذلك إذا كان فعل الشرط متعديا ولم ينصب مفعوله مثل « تدخر » في المثال السابق ؛ فإنه فعل يتعدى إلى مفعول به ، تقول « يدخر علي المال » وهو لم ينصب مفعولا في المثال ؛ فلهذا جاز اعتبار « ما » في محل نصب مفعولا به لتدخر ، وفي البيت ترى أن فعل الشرط - وهو تكن - لا يتعدى إلى مفعول به ، وليس يصح في أسماء الشرط غير الظروف إلا واحد من هذين الإعرابين ، وإذا لم يصح في هذه الكلمة هنا واحد من هذين الإعرابين لزم أنها ليست اسما ، وإذا لم تكن اسما فهي حرف . وقد عرفت أن كلامهما باطل ؛ لأننا جعلناها مبتدأ ، وجعلنا في تكن ضميرا يعود إليها ، فقولهما « إن جعلت مهما مبتدأ فليس في تكن ضمير » فاسد ، وأيضا فإنا أعربناها في المرة الثانية خبرا لتكن ؛ فمثلها حينئذ مثل « كيفما » في قولك « كيفما تكن أكن » فقولهما « وليس لأسماء الشرط غير الظروف سوى هذين الإعرابين » غير مسلم ؛ فتدبر ذلك كله ، واللّه ينفعك به ؛ فإني أوضحته لك غاية الإيضاح . ( 1 ) المراد أن اللفظ المفرد المبني إذا كان اسما وجب أن يكون له موضع من الإعراب ، فإذا لم يكن له محل من الإعراب كان حرفا ، و « مهما » لفظ مفرد مبني ، وقد ثبت عند هؤلاء أنه لا محل له من الإعراب فكان حرفا ، والرد على ذلك الكلام معروف مما قررناه في بيان الاستشهاد بالبيت ؛ فإنا بينا أن لها محلّا من الإعراب ، وهو الرفع إن جعلت مبتدأ ، والنصب إن جعلت خبر تكن .